ندوة حول المخاطر الكيمائية والفيزيائية فى الغذاء

Print Friendly, PDF & Email

نظم قسم علوم الكيمياء في كلية التربية للعلوم الصرفة (ابن الهيثم) ندوة علمية حول المخاطر الكيمائية والفيزيائية فى الغذاء حاضرت فيها تدريسيات القسم ( ا.م.د. لقاء خالد عبد الكريم و م. د. ايناس جاسم وحيد و م.د. ورود علي جعفر ) على قاعة المرحوم أ.د. فهد علي حسين .

واشارت الندوة الى ازدياد الاهتمــام فــى الآونــة الأخيــرة بموضــوع ســلامة الغــذاء بعــد الضــجة الإعلامية التى أثيرت حول مرض أنفلونزا الطيور ومرض جنون البقر وتشعيع الأغذيـة والتلـوث , و بميكـروب الليسـتريا وميكروبـات القولـون السـامة والأغذيـة المهندسـة وراثيـا , فكثـرت التسـاؤلات عـن هـذه المخـاطر وكيفيـة تجنبهـا ممـا جعل الناس فى جميع أنحاء العالم وعلى كل المستويات يهتمون بموضوع سلامة الغذاء اضافة الى ان الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء والتي تسببها الملوثات البيولوجية هي أكثر شيوعاً.

 

كما تتعرض المحاصيل الزراعية والحيوانات الى المواد السامة بسبب التلوث البيئى لمصادر المياه والهواء والتربة. كذلك المواد الكيمائية المستخدمة فى الزراعة مثل المبيدات الحشرية والتى تستخدم على تطاق واسع فى معظم دول العالم وتعتبر أيضا أحد اسباب التلوث بالمواد الكيماوية.

ويمكن أن يتلوث الغذاء أيضا بالمواد الكيماوية اثناء عمليات التصنيع والتداول والتخزين والإعداد. وقد وجد أن التعرض إلى جرعات صغيرة من الملوثات الكيماوية لفترات طويلة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمراض خطيرة مثل تلف الأعصاب وتشوهات المواليد والسرطان.

حيث تعتبر أى مادة كيماوية تسبب ضرراً للانسان من المخاطر. وتسبب الملوثات الصناعية والبيئية مثل الديوكسينات (dioxins) و ثنائى الفينيل متعدد الكلور (polychlorinated biphenyls ) والمعادن الثقيلة (heavy metals) تهديداً خطيراً لصحة الإنسان.
ومن أهم أنواع الملوثات المشتقة بيولوجيا هى السموم الموجودة فى بعض النباتات والسموم الفطرية وبعض السموم الأخرى ذات الأصل البيولوجى.
واوضحت الندوة ان هناك نوع آخر هام من التلوث الكيماوى بالرغم من قلة عدد حالاته وهو التلوث الذى يحدث أثناء عمليات الطهى اضافة الى ان المواد المضافة والمبيدات والأدوية البيطرية يمكن أن تسبب التسمم ولكنها عادة ما تكون آمنة إذا استخدمت بطريقة صحيحة وبالنسب المسموح بها.
ويمكن أن تسبب بعض المواد الكيماوية الحساسية حتى فى التركيزات المنخفضة مما يسبب تهديداً لحياة الأشخاص المصابين بالحساسية من هذه المواد.

أوضحت البيانات التى تم جمعها منذ عام 1976 بواسطة النظام العالمى للمراقبة البيئية / برنامج مراقبة وتقييم تلوث الغذاء(GEMS/Food) أنه بالرغم من وجود بعض الحالات الفردية من التلوث بمستويات مرتفعة من الملوثات الكيمائية فى الغذاء فى كل من أوربا وامريكا الشمالية، فقد أصبح التلوث الكيماوي أقل حدوثاً في الدول المتقدمة، أما بالنسبة للبيانات المجمعة من الدول النامية فهى غير كاملة بالإضافة إلى أن كثيراً من هذه الدول ليس لديها معايير صارمة للتلوث. لذلك فمن الممكن ان تكون امدادات الطعام فى تلك الدول ملوثة بالمواد الكيماوية السامة. وقد حدث العديد من حالات التسمم تسببت فى إصابات خطيرة. ولازالت الآثار الصحية التى تنجم عن التعرض طويل الأمد للجرعات البسيطة من الملوثات الكيماوية غير مفهوم تماماً.

تحتوى كثير من النباتات على بعض المكونات التى تسبب تسمماً لكل من الإنسان والحيوان. وبعض هذه الأغذية مثل الكسافا واللوبيا الحمراء تكون آمنة فى حالة إعدادها وطهيها بطريقة جيدة. والبعض الأخر، والذي يتضمن بعض أنواع التوابل الشائعة الاستخدام، تحتوى على مواد طبيعية ثابت أو يشتبه في تسببها في حدوث السرطان مثل أيزوسيانات الكيل الموجود فى الثوم وكبساسياسين الموجود فى الفلفل الحار والأبيول الموجود فى البقدونس والكرفس والجزر الأبيض. وقد وُجدت علاقة بين استهلاك بعض أنواع الدقيق المعروف بدقيق اشجار السيكاد (cycad flour ) والذي لم يتم تصنيعه بصورة كافية وحدوث التسمم العصبى فى جوام باليابان وبابوا بغينيا الجديدة
السموم الفطرية هى مواد سامة تفرزها الفطريات وتسببت في حدوث حالات تفشي وبائية بالسموم الفطرية فى كل من الإنسان والحيوان. وكثيراً من حالات التفشي الوبائي تم الربط بينها وبين استهلاك أغذية أو أعلاف ملوثة بالفطريات نتيجة لنقص الغذاء أو بسبب الجهل بالتبعيات المحتملة لتناول هذه الأغذية. وتنتشر هذه الممارسات فى أجزاء كثيرة من العالم.

كما تم الربط بين السموم الفطرية وكثير من الأمراض المزمنة بما فى ذلك بعض أنواع السرطان.
وقد بدأت سلطات الصحة العامة فى التعرف على تأثير هذه السموم على صحة الإنسان والحيوان. وقد قدرت منظمة الأغذية والزراعة (FAO) التابعة لهيئة الأمم المتحدة المحاصيل الملوثة بالسموم الفطرية فى العالم بنحو 25% من الإنتاج العالمى للمحاصيل. وفى دراسة تمت فى قارتى أسيا وأفريقيا وجد أن 10- 50% من المحاصيل ملوثة بالسموم الفطرية. وفى دراسة يابانية عن سموم الفيوزريوم في الذرة في دول بعيدة عن بعضها جداً، وجد أن عدد العينات غير الملوثة كان قليل جدا.
وكما هو الحال في البكتريا، تحتاج الانواع المختلفة من الفطريات إلى درجات حرارة مختلفة من الحرارة لتحقيق أفضل نمو. ومع ذلك فإن إنتاج السموم لا يرتبط بالضرورة بتحقيق أفضل نمو. بعض الفطريات تنتج السموم فقط عندما تكون ظروف النمو أقل من الظروف المثلى.
يعتمد إنتاج السموم الفطرية على بعض العوامل البيئية مثل درجة الحرارة والرطوبة. هذا بالإضافة إلى أن بعض العوامل الأخرى مثل الأس الهيدروجينى (pH)، ووجود أحياء دقيقة منافسة وأيضا بعض الظروف المعاكسة مثل (الجفاف وتلف المحاصيل بالحشرات) يمكن أن تؤثر فى نمو الفطريات وبالتالى فى إنتاج السموم.

ويمكن أن تتكون الملوثات السامة بما فى ذلك المواد المسرطنة اثناء إعداد الطعام. فيمكن أن يتم إضافة بعض المسرطنات المحتملة أثناء عمليات الشواء، التدخين للحوم والأسماك. ويمكن أن تُنتج مستويات عالية من مادة البنزوبيريين السامة في الغذاء أثناء عملية الشواء على الفحم؛ كما يمكن أن تتكون الأمينات الحلقية والنيتروبيرين عندما تتعرض الأسماك واللحوم لدرجات الحرارة المرتفعة.

تطالب معظم الدول بتسجيل الكيماويات المستخدمة فى الزراعة ولوع اشتراطات الاستخدام الآمن لكل مادة. وغالباً ما تكون هذه المعلومات موجودة على بطاقة بيان المنتج. وعادة ما تكون هناك حاجة إلى الانتظار لفترة محددة بين استخدام المادة الكيماوية الزراعية وبين وقت حصاد المزروعات أو ذبح الحيوانات. أما فى حالة إضافة الكيماويات الزراعية بطريقة غير سليمة أو عدم ترك الفترة الزمنية المفروضة فسوف يحتوى الغذاء المنتج على متبقيات خطرة من المواد الكيماوية المستخدمة.

وبينما لا تمثل مدخلات الزراعة الكيماوية مشكلة خطيرة في الدول المتقدمة ، فقد تم تحفيز استخدامها بشدة في الدول النامية كوسيلة لزيادة انتاجية المحاصيل. وفى هذه الدول قد لا يكون المزارعين مدربين جيداً على الطريقة الصحيحة لاستخدام الكيماويات. وبالرغم من حظر استخدام المبيدات ذات الكلور العضوى فى المحاصيل الزراعية مثل مبيد د.د.ت (DDT ) إلا إنه يتم استخدامه بطرق غير قانونية فى الغذاء. وقد اوضحت البيانات التى قام بجمعها برنامج GEMS/Food أن استخدام المبيدات الحشرية يمكن ان تصبح مشكلة خطيرة فى حالة عدم وجود برامج للمراقبة والتحكم.

على عكس الملوثات، الإضافات الغذائية يتم إضافتها إلى الغذاء عمدا. وفى حالة استخدامها بطريقة سليمة يمكنها أن تحمى الطعام من التلف من الميكروبات الممرضة مما يؤدى الى وفرة وتنوع الغذاء. إلا إنه في نفس الوقت يمكن اعتبارها خطراً فى حالة استخدامها بكميات اكبر من المسموح به.
وهناك أنواع من الإضافات تسبب خطورة إذا أضيفت بكميات أقل من المطلوب. على سبيل المثال, أملاح النترات تستخدم لمنع جراثيم الباسيل المنبارى من النمو فى منتجات اللحوم المدخنة، ولا بد من وجود حد ادنى من أملاح النترات فى المنتج لضمان عدم نمو الجراثيم وكفاءة المضاف في أداء وظيفته. كما ان عدم وجود قدر كافٍ من اليود فى ملح الطعام قد يؤدى الى أمراض نقص اليود.
وبعض المواد المضافة ( مثل أملاح الكبريتات) يمكن أن تثير الحساسية. وهناك بعض الأشخاص أكثر حساسية للكيماويات التي تعتبر غير ضارة في الأشخاص الطبيعيين. وفى بعض الأحيان يتعرض الأشخاص المصابون بخلل فى عملية الأيض إلى الحساسية من بعض الإضافات الغذائية والأغذية المحتوية عليها. لذلك فإن وضوح و صحة البيانات المدونة على العبوة يمكن أن تحمى هذا المستهلك.

ويمكن أن تنتقل الملوثات من أدوات الطهي أو من الأوعية إلى الأغذية. فأثناء طهي الأطعمة الحمضية في أوانٍ نحاسية أو مبطنة بالنحاس يمكن أن ينتقل النحاس الى الغذاء. ويمكن أيضاً للرصاص أن ينتقل للغذاء عن طريق استخدام بعض الأواني المصنوعة من السيراميك . وكذلك المعلبات التى تم لحامها بالطرق القديمة باستخدام الرصاص تحتوي على نسبة من الرصاص أعلى من المعلبات المغلقة بالطرق الحديثة.

وهنك بعض المواد المضافة إلى الأغذية والتي تستخدم لخداع المستهلك فيما يخص جودة وقيمة الغذاء وتسمى مواد الغش. وأحياناً تشكل هذه المواد خطورة على صحة الإنسان. فعلى سبيل المثال كان يستخدم البوراكس و حمض البوريك بشكل كبير كمواد حافظة منخفضة التكاليف ورخيصة الثمن ولكن في الوقت الحالي وجد أنها مواد شديدة السمية وبالغة الخطورة على صحة الإنسان. وعلى الرغم من ذلك فإنها ما زالت تستخدم بشكل غير قانوني في بعض الدول النامية. و بالمثل يستخدم الفورمالدهايد أحياناً في حفظ الأسماك وغيرها من المأكولات البحرية خصوصاً في الأماكن التي لا يتوافر فيها التبريد المناسب.
وتعتبر المياه أكثر المواد استخداما في غش الأغذية حيث أنها تضاف الى بعض الأغذية كاللبن وعصائر الفواكه والمأكولات البحرية ومن الممكن أن تكون المياه المستخدمة ملوثة فتسبب اضراراً صحية كبيرة للمستهلك.

وتستخدم عملية إدارة المخاطر تحليل الجدوى من الخطر ودراسات الجدوى من التكلفة. و تقوم لجنة الكودكس الخاصة بالأغذية و الهيئات التابعة لها بتلك المهام على مستوى العالم.

و تحمي الدول المستهلكين بوضع حدود آ منة لاستخدام الكيماويات في الأغذية و بتقليل التلوث عند المصدر. ويمكن لبرامج تثقيف المستهلك أن تكون ذات فائدة كبيرة؛ ففي السويد على سبيل المثال يتم تحذير السيدات الحوامل من أكل بعض أنواع الأسماك التي ربما تكون محتوية على تركيزات مرتفعة من ميثيل الزئبق .
وتقاس المخاطر الكيماوية في مواقع يتم اختيارها على أساس مدى حساسيتها ودقتها وتكلفتها. و يتم تقييم انبعاثات المصانع، هواء، مياه والتربة لتقدير احتمالية تسببهم في تلوث الأغذية. وهناك العديد من الدول التي تقوم بإجراء دراسات للمحتوى الكامل للوجبات بصورة منتظمة لتقييم التلوث على مستوى الأسواق.

و يمكن استخدام الطرق التحليلية الحساسة (التقييم البيولوجى) لمراقبة المستهلكين بصورة مباشرة للفحص لوجود الملوثات. ويعتبر تحليل لبن الأم من التحاليل التي لها أهمية خاصة في فحص وجود الملوثات الذائبة في الدهن ليس فقط لأنه يقدر مدى تعرض الام للملوثات بل أيضاً لأن الأطفال تعتبر من المجموعات الحساسة. و تستطيع الدراسات الوبائية التي تستخدم هذه الطرق أن تحسن من الأساس العلمي لوصف المخاطر.