أنجزت طالبة الدكتوراه في قسم الكيمياء شيماء ضياء خضر جاسم أطروحتها الموسومة «دور 11-بيتا هيدروكسي ستيرويد ديهايدروجينيز-1، وكولاجين IV، والبروتين الحمضي الليفي الدبقي، والنيوبترين لدى المرضى العراقيين المصابين بمرض كوشينغ قبل العلاج وبعده»، بإشراف أ.د. رشا زهير جاسم، ونوقشت من قبل لجنة المناقشة المؤلفة من أ.د. تغريد علوم محمد رئيسًا، وأ.د. هند شاكر أحمد عضوًا، وأ.د. وركاء طعمة سلوم عضوًا، وأ.د. نورهان خالد شفيق عضوًا، وأ.م.د. عبد القادر محمد عبد القادر عضوًا.

وتتناول الأطروحة أحد الاضطرابات الهرمونية المهمة المتمثلة بمرض كوشينغ (Cushing’s disease)، الذي يرتبط بفرط التعرض للكورتيزول وما يترتب عليه من تأثيرات متعددة في الوظائف الأيضية والهرمونية والعصبية والمناعية في الجسم. وتبرز أهمية الدراسة من خلال بحث مجموعة من المؤشرات الحيوية التي يمكن أن تسهم في تعزيز فهم الآليات المرضية وتقييم التغيرات البيوكيميائية المرتبطة بالمرض قبل العلاج وبعده.

وهدفت الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين مجموعة من المؤشرات الحيوية التنبؤية، شملت إنزيم 11β-HSD1 (11-beta-hydroxysteroid dehydrogenase type 1)، وكولاجين IV، والبروتين الحمضي الليفي الدبقي (GFAP)، والنيوبترين (Neopterin)، وآلية حدوث مرض كوشينغ لدى المرضى العراقيين من الذكور والإناث.

كما سعت الدراسة إلى توضيح العلاقة بين مستويات الكورتيزول وهرمون قشر الكظر (ACTH) وهرمون النمو (GH)، إضافة إلى هرمونات الغدد التناسلية LH وFSH، وبعض كهارل الدم، ومنها الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والكلوريد، فضلًا عن مؤشر كتلة الجسم (BMI)، لدى المرضى العراقيين المصابين بمرض كوشينغ.

وتناولت الأطروحة كذلك التأثير البيولوجي للعلاج بمشتقات الجلوكوكورتيكويد، ولا سيما البريدنيزولون والهيدروكورتيزون، في المؤشرات الحيوية التنبؤية والتشخيصية لدى المرضى، مع إجراء المقارنة بين الحالات قبل العلاج وبعده، بما يوفر أساسًا لفهم التغيرات المرتبطة بالتدخل العلاجي.

ومن الجوانب المهمة التي ركزت عليها الدراسة أيضًا تحديد مدى تأثير الجنس في المؤشرات الحيوية التنبؤية والتشخيصية، بما يعزز فهم الاختلافات البيولوجية المحتملة بين المرضى الذكور والإناث، ويدعم التوجه نحو دراسات أكثر دقة في تقييم المؤشرات الحيوية المرتبطة بالاضطرابات الهرمونية.

وفي ضوء ما توصلت إليه الدراسة، قدمت الباحثة عددًا من التوصيات العلمية، من أبرزها إجراء دراسات مستقبلية تبحث تأثير مختلف أنواع الأدوية الكورتيكوستيرويدية وجرعاتها ومدد استخدامها في المؤشرات البيوكيميائية نفسها، بما يسهم في توسيع المعرفة المتعلقة بالتغيرات الحيوية المصاحبة للعلاج.

كما أوصت بتصميم دراسات مماثلة تستهدف الفئات العمرية الأصغر بهدف فهم الظهور المبكر لمرض كوشينغ ودراسة تأثير فرط الكورتيزول في عمليات النمو والتطور، إلى جانب التوسع في دراسة المؤشرات البيوكيميائية المرتبطة بالحالة النفسية والعقلية لدى مرضى كوشينغ، ومن بينها السيروتونين والميلاتونين، لما لهذه الجوانب من أهمية في تكوين صورة أكثر شمولًا عن التأثيرات الجهازية للمرض.

إسهام البحث في أهداف التنمية المستدامة

ينسجم هذا البحث بصورة مباشرة مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (SDG 3): الصحة الجيدة والرفاه، من خلال الإسهام في تطوير المعرفة العلمية المتعلقة بمرض كوشينغ، وتحسين فهم المؤشرات الحيوية المرتبطة بالمرض والاستجابة للعلاج، بما يمكن أن يدعم مستقبلًا جهود التشخيص والمتابعة والتقييم السريري للمرضى.

كما يتقاطع البحث مع الهدف الخامس (SDG 5): المساواة بين الجنسين، من خلال دراسة مدى تأثير الجنس في المؤشرات الحيوية التنبؤية والتشخيصية، بما يعزز أهمية مراعاة الفروق البيولوجية بين الذكور والإناث في البحوث الطبية والبيوكيميائية.

وتعكس الدراسة توجهًا علميًا نحو توظيف المؤشرات الحيوية والتحاليل الهرمونية والبيوكيميائية في فهم الاضطرابات الغدية المعقدة، بما يدعم البحث الطبي والبيوكيميائي الهادف إلى تحسين جودة الرعاية الصحية والارتقاء بالمعرفة المتعلقة بالأمراض الهرمونية لدى المجتمع العراقي.

ويعتبر مرض كوشينغ (CD) نوع خاص من متلازمة كوشينغ (CS) يتميز بالإفراط في إنتاج الكورتيزول من قشرة الغدة الكظرية الناتج عن الهرمون الموجه لقشرة الكظر (ACTH) الذي يفرز من قبل ورم الغدة الصماء النخامية العصبية. تسبب هذه الحالة الكثير من الأمراض المصاحبة التي لم تُفهم بشكل كامل، لذا فإن الهدف من هذه الدراسة هو اقتراح علاقة كيميائية حيوية بين المؤشرات الحيوية التنبؤية (11-βHSD1، والكولاجين الرابع، وGFAP، والنيوبترين) وبين المسببات المرضية لمرض كوشينغ لدى المرضى العراقيين (ذكور وإناث) وتقديم تفسير معقول للدور الدقيق للمتغيرات الكيميائية الحيوية المحددة: (الكورتيزول، ACTH، هرمون النمو GH، الهرمون المنبه للجريب FSH، الهرمون الملوتن LH، الصوديوم، البوتاسيوم، الكالسيوم، الكلوريد، ومؤشر كتلة الجسم BMI) في نفس المرضى. كما تهدف الدراسة الحالية إلى فحص وتسليط الضوء على التأثير الكيميائي الحيوي للجلوكوكورتيكويدات الصناعية (بريدنيزولون وهيدروكورتيزون) كعلاج لكل من المتغيرات التنبؤية والمؤكدة ، ولمعرفة ما إذا كانت هذه المتغيرات تتأثر بنوع الجنس. تم إجراء الخطوات الطبية والمخبرية للدراسة الحالية من تشرين الثاني نوفمبر 2023 حتى نهاية حزيران يونيو 2024. تم جمع عينات الدم في مستشفى بغداد التعليمي (المدينة الطبية) ومستشفى اليرموك التعليمي، بينما أجريت التحاليل الكيميائية الحيوية في المركز الدولي للبحوث والتنمية التطوير / بغداد. تضمن بروتوكول الدراسة ست مجموعات موزعة حسب الجنس (ذكور وإناث) والحالة الدوائية (حالات غير معالجة وحالات معالجة)، ومن الجدير بالملاحظة أنه تمت مقارنة مجموعات المرضى مع أشخاص أصحاء كمجموعات ضابطة: المجموعة الاولى G1تتكون من (25) ذكرًا سليمًا والمجموعة الثانية G2 تتكون من (25) أنثى في نفس الفئة العمرية لمجموعات المرضى. المجموعة G3 تكونت من (25) ذكرًا مصابًا بمرض كوشينغ حديثي التشخيص (غير معالجين)، وتكونت المجموعة G4 من (25) أنثى مصابة بمرض كوشينغ حديثي التشخيص (غير معالجات)، وتكونت المجموعة G5 من (25) ذكرًا مصابًا بمرض كوشينغ يعالجون بالبريدنيزولون والهيدروكورتيزون، وتكونت المجموعة G6 من (25) انثى مصابة بمرض كوشينغ يعالجون بالبريدنيزولون. تم تحديد مستويات المؤشرات التنبؤية (111β-HSD، الكولاجين الرابع، GFAP، والنيوبترين) والمتغيرات المؤكدة (الكورتيزول، ACTH، GH، FSH، LH، الصوديوم، البوتاسيوم، الكالسيوم، الكلوريد، ومؤشر كتلة الجسم BMI) في مصل دم جميع المرضى ومجموعات الضابطة، وتم تحليل البيانات إحصائياً وفقًا للاختبار (لمقارنة بين  مجموعتين) وتحليل التباين الأحادي ANOVA (للمقارنة بين ثلاث مجاميع).أفادت النتائج أن11β-HSD1، والكولاجين الرابع، وGFAP، والنيوبترين هي مؤشرات كيميائية حيوية جديدة لمرضى كوشينغ، مع زيادة بشكل معنوي كبير في كل من الذكور والإناث فيما يتعلق بـ 11β-HSD1 وGFAP والنيوبترين، وانخفاض كبير للغاية فيما يتعلق بالكولاجين الرابع، من خلال تسليط الضوء على فرط كورتيزول الدم واضطراب محور الغدة النخامية لقشرة الكظر (HPA)، والجهاز المناعي (وخاصة الخلايا البلعمية الكبيرة) والجهاز العصبي المركزي (وخاصة الخلايا النجمية). كما قدمت الدراسة الحالية تفسيراً مفصلاً فيما يتعلق بالمستويات المرتفعة للكورتيزول كمعيار تشخيصي، وأكدت أن جميع مرضى متلازمة كوشينغ المختارين هم حالات مرضى كوشينغ على أساس المستويات المرتفعة من ACTH. علاوة على ذلك، دعمت الدراسة الحالية دراسات سابقة حديثة فيما يتعلق بالمستويات المنخفضة لهرمون النمو GH، وقدمت توضيحاً شاملاً للمستويات المنخفضة من FSH و LH في نفس المرضى من خلال تسليط الضوء على التأثيرات العصبية الوقائية لهذه الهرمونات، وأشارت إلى أن انخفاض صوديوم الدم، وانخفاض بوتاسيوم الدم، وانخفاض كالسيوم الدم، وفرط كلوريد الدم الطفيف هي سمات واضحة لنفس المرضى. ومن اللافت للنظر أن الدراسة الحالية كشفت أن مؤشر كتلة الجسم لا يرتفع بشكل ملحوظ إحصائياً في مرضى كوشينغ. من ناحية أخرى، هذه الدراسة هي الأولى التي تقترح توضيحاً معقولاً للتأثير المثبط للجلوكوكورتيكويدات الصناعية (البريدنيزولون والهيدروكورتيزون) على محور الغدة النخامية – الكظر HPA مما يثبط مستويات الكورتيزول و ACTH و 11β-HSD1 لمرضى كوشينغ، من خلال تسليط الضوء على التشابه بين الجلوكوكورتيكويدات الصناعية والطبيعية التي تعزز تكوين معقدات مستقبلات الجلوكوكورتيكويد (GR) وتثبط محور الغدة النخامية لقشرة الكظر HPA سلبياً (بتأثير مثبط كبير على ACTH لدى الإناث). في نفس السياق، قدمت الدراسة الحالية نتائج جديدة فيما يتعلق بتأثير البريدنيزولون والهيدروكورتيزون على مستويات الكولاجين الرابع، وGFAP، والنيوبترين، وهرمون النمو (GH)، والهرمون المنبه للجريب (FSH)، والهرمون الملوتن (LH) في نفس المرضى، حيث كان التأثير طفيفًا على الكولاجين الرابع وFSH وLH، وكان من خلال محاولة إعادة مستويات GFAP والنيوبترين وهرمون النمو (GH) نحو التوازن، استنادًا إلى التأثير الوقائي المضاد للالتهابات للجلوكوكورتيكويدات الصناعية. وغير متوقع، لوحظ أن مؤشر كتلة الجسم (BMI) قد ازداد في مرضى  كوشينغ المعالجين مقارنة بالمرضى حديثي التشخيص غير المعالجين، مما يكشف عن تأثير سلبي للجلوكوكورتيكويدات الصناعية (البريدنيزولون والهيدروكورتيزون) على مؤشر كتلة الجسم. في حين أظهرت نفس الأدوية تأثيرًا جيدًا على الكتروليتات الدم (الصوديوم، البوتاسيوم، الكالسيوم، والكلوريد) عند مقارنتها مع كل من المرضى المعالجين وأفراد مجموعة الضابطة (باستثناء البوتاسيوم لدى الإناث، حيث تأثر توازنه بآثار جانبية للبريدنيزولون).

أخيرًا، كشفت الدراسة الحالية أن مستويات الهرمون الموجه لقشرة الكظر (ACTH) والإنزيم  111β-HSD والكولاجين الرابع وGFAP والنيوبترين وهرمون النمو (GH) والهرمون الملوتن (LH) والكلوريد، ومؤشر كتلة الجسم لا تتأثر بنوع الجنس. بينما أظهرت مستويات الكورتيزول والهرمون المنبه للجريب (FSH) والصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم قيمًا متباينة إحصائياً عند مقارنة كل منها بين الجنسين (الذكور والإناث) .

Ihcoeduمؤلف

Avatar for ihcoedu

كلية التربية للعلوم الصرفة (ابن الهيثم) - College of Education for Pure Science (Ibn Al-Haitham)

Comments are disabled.