ناقش قسم الكيمياء في كلية التربية للعلوم الصرفة (ابن الهيثم) أطروحة الدكتوراه الموسومة «القيمة التشخيصية والتنبؤية للجسيم الالتهابي NLRP3 والببتيد المدر للصوديوم من النوع B لدى مرضى القلب والأوعية الدموية»، المقدمة من الباحثة زينة زماط غيلان، والمنجزة بإشراف أ.د. نورهان خالد شفيق.

وتألفت لجنة المناقشة من أ.د. زينب منيب مالك رئيسًا، وعضوية كل من أ.د. بشرى حميد علي، وأ.د. أنوار فاروق مسلم، وأ.د. تمارا علاء حسين، وأ.د. إيمان عبد علي عباس، وأ.د. نورهان خالد شفيق عضوًا ومشرفًا.

وتتناول الأطروحة موضوعًا حيويًا في مجال الكيمياء الحيوية الطبية والبحوث التشخيصية لأمراض القلب والأوعية الدموية، من خلال دراسة مجموعة من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالالتهاب والإجهاد القلبي والتغيرات البنيوية والوظيفية في عضلة القلب، فضلًا عن مؤشرات اختلال وظائف الكلى والكبد المصاحبة للحالات القلبية الوعائية.

وهدفت الدراسة إلى تقييم القيمة التشخيصية والتنبؤية لمجموعة من المؤشرات الحيوية لدى المرضى المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية، مع التركيز على معقد الالتهاب NLRP3 Inflammasome والببتيد المدر للصوديوم من النوع B، ممثلًا بـ NT-proBNP، إلى جانب MYL وLRG1، وذلك في ثلاث حالات مرضية رئيسية هي تصلب الشرايين، واحتشاء عضلة القلب، وفشل القلب.

وشملت الدراسة تحديد مستويات NLRP3 Inflammasome في الحالات المرضية الثلاث، بهدف استقصاء علاقته بالعمليات الالتهابية المرتبطة بتطور أمراض القلب والأوعية الدموية، إلى جانب قياس مستويات NT-proBNP بوصفه مؤشرًا للإجهاد البطيني وتقدم الحالة المرضية.

كما تناولت الدراسة تقييم مستويات MYL بهدف فهم علاقته بالتغيرات البنيوية والوظيفية التي تطرأ على عضلة القلب، فضلًا عن قياس مستويات LRG1 لاستقصاء إمكاناته كمؤشر حيوي مرتبط بإعادة تشكيل الأوعية الدموية والعمليات الالتهابية المصاحبة للأمراض القلبية الوعائية.

ولتعزيز شمولية التقييم، تضمنت الدراسة أيضًا تقدير مؤشرات اختلال وظائف الكلى والكبد في مصل الدم لدى المرضى المصابين بالحالات القلبية الوعائية الثلاث، بما يساعد على دراسة المضاعفات الجهازية المصاحبة لهذه الأمراض وتكوين صورة أكثر تكاملًا عن الحالة المرضية.

كما بحثت الأطروحة العلاقات الارتباطية بين مستويات NLRP3 وNT-proBNP وMYL وLRG1 وبين تطور أمراض القلب والأوعية الدموية وتقدمها، إلى جانب تقييم القدرة التشخيصية لهذه المؤشرات الحيوية في التمييز بين الأنماط المختلفة من أمراض القلب والأوعية الدموية، بالاستعانة بتحليل منحنى خصائص تشغيل المستقبل (ROC).

وتكتسب الدراسة أهميتها من توجهها نحو الاستفادة من مجموعة متعددة من المؤشرات الحيوية بدل الاعتماد على مؤشر واحد، بما قد يدعم مستقبلًا تطوير نماذج تشخيصية أكثر تكاملًا ودقة، ويسهم في تحسين تقييم المخاطر ومتابعة تطور الأمراض القلبية الوعائية.

وفي ضوء ما توصلت إليه الدراسة، قدمت الباحثة عددًا من التوصيات العلمية، من أبرزها اعتماد الفحص الاستهدافي الموجّه لكبار السن والأفراد الذين يعانون من اضطرابات استقلابية أو اختلالات كيميائية حيوية، من خلال برامج فحص دورية ومنتظمة تهدف إلى الكشف المبكر عن عوامل الخطورة القلبية الوعائية.

كما أوصت بتطوير مفهوم العلاج الشخصي المعتمد على مراحل المرض، بحيث تُصمم الاستراتيجيات العلاجية وتُكيّف وفقًا للملفات الحيوية الخاصة بكل مرحلة من مراحل المرض، بما يمكن أن يسهم في تحسين الاستجابة العلاجية ورفع كفاءة التدخلات الطبية.

وأكدت الدراسة أهمية اعتماد التشخيص المتكامل متعدد النماذج من خلال دمج المؤشرات الحيوية مع تقنيات التصوير الطبي والتقييم السريري، بهدف تعزيز الدقة التشخيصية وتحسين القدرة على تحديد الحالة المرضية وتقييم تطورها بصورة أكثر موثوقية.

كما أوصت بإجراء دراسات واسعة النطاق متعددة المراكز وطويلة الأمد للتحقق من القيمة التنبؤية لهذه المؤشرات الحيوية وتأكيد صلاحيتها وإمكان اعتمادها في التطبيقات السريرية، فضلًا عن ضرورة دراسة قدرتها على التنبؤ بمسار المرض ومضاعفاته على المدى البعيد.

وفي إطار تطوير التقنيات التشخيصية الحديثة، أوصت الباحثة بالعمل على تطوير اختبارات الرعاية الفورية متعددة المؤشرات الحيوية (POCT)، بما يوفر أدوات تحليلية سريعة يمكن أن تدعم اتخاذ القرارات السريرية في الوقت المناسب، وتعزز المراقبة المستمرة للمرضى وتحسن إدارة الحالات القلبية الوعائية.

وينسجم هذا البحث بصورة مباشرة مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (SDG 3): الصحة الجيدة والرفاه، ولا سيما الغاية المتعلقة بالحد من الأمراض غير السارية وتعزيز الوقاية والتشخيص المبكر والرعاية الصحية الفعالة.

ويسهم البحث في هذا الهدف من خلال دراسة مؤشرات حيوية قد تساعد في تحسين الكشف والتقييم التشخيصي والتنبؤي لأمراض القلب والأوعية الدموية، وهي من أبرز التحديات الصحية التي تتطلب تطوير وسائل أكثر دقة للكشف المبكر ومتابعة تطور المرض.

كما يتقاطع البحث مع الهدف التاسع (SDG 9): الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، من خلال التوجه نحو تطوير تقنيات تشخيصية مبتكرة، ولا سيما الاختبارات متعددة المؤشرات الحيوية وتقنيات الرعاية الفورية، بما يدعم الابتكار في المجالات الطبية والمختبرية.

وتعكس الأطروحة توجهًا علميًا نحو الطب الدقيق والتشخيص متعدد المؤشرات، من خلال دمج المعلومات البيوكيميائية مع التقييم السريري والتصوير الطبي، بما يعزز فرص تطوير نماذج تشخيصية أكثر تكاملًا وفاعلية في المستقبل.

يُعد الجسيم الالتهابي “المستقبل الشبيه بنطاق أوليميرات الاتحاد النيوكليوتيدي المحتوي على نطاق البيرين 3” (NLRP3) معقداً متعدد البروتينات يتم التعبير عنه في الخلايا المناعية. ويتكون هذا المعقد من ثلاثة نطاقات أساسية: نطاق التكرار الغني باللوسين (LRR) عند الطرف الكربوكسيلي (C-terminal)، ونطاق الحفظ والاتحاد النيوكليوتيدي (NACHT)، ونطاق البيرين (PYD) الذي يحفز عملية التعدد (Multimerization). وفي حين أن الجسيم الالتهابي NLRP3 يُعد حيوياً للدفاع المناعي للمضيف ضد مختلف أنواع العدوى البكتيرية والفطرية والفيروسية، إلا أن تنشيطه غير المنضبط يرتبط بنشوء العديد من الحالات الالتهابية، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية. علاوة على ذلك، تظهر إصابات الأنسجة الحادة والمزمنة أنماطاً تنشيطية مختلفة لـ NLRP3.

يتميز تصلب الشرايين بتراكم الدهون داخل الجدار الشرياني، وتكاثر خلايا العضلات الملساء الوعائية، وارتشاح خلايا الدم البيضاء (Leukocytes) . وفي الآونة الأخيرة، حظي دور الاستجابات الالتهابية باهتمام متزايد مع تقدم الأبحاث، حيث أظهرت العديد من الاستقصاءات التجريبية والسريرية مشاركة وتداخل العديد من السيتوكينات الالتهابية. وبالتزامن مع ذلك، يحتث احتشاء عضلة القلب (MI) استجابة التهابية عقيمة (مستقلة عن العدوى الميكروبية) تُعد أساسية لإصلاح الأنسجة. ومع ذلك، فإن الالتهاب المفرط أو المطول قد يؤدي إلى توسع منطقة الاحتشاء وحدوث إعادة تشكيل ضارة للبطين الأيسر (Adverse LV remodeling)، مما يؤدي إلى ضعف وظائف عضلة القلب وفشل القلب (HF) .

تم جمع ما مجموعه 120 عينة في الفترة الممتدة بين 26 نوفمبر 2023 و20 مارس 2024. وتم استقطاب المشاركين من المركز العراقي لأمراض القلب، ووحدة العناية المركزة (ICU) في مستشفى بغداد التعليمي، ووحدة العناية المركزة في مركز ابن البيطار التخصصي لجراحة القلب. وتراوحت أعمار جميع المشاركين، بمن فيهم الأصحاء (مجموعة المقارنة)، بين 17 و84 عاماً. وقُسمت العينة الإجمالية إلى أربع مجموعات متساوية (بحجم 30 مشاركاً في كل مجموعة): مرضى تصلب الشرايين (AS)، ومرضى احتشاء عضلة القلب (MI)، ومرضى فشل القلب (HF)، والأصحاء كمرجع ضابط.

قيمت الدراسة تركيزات المصل للمؤشرات القلبية والتهابية، بما في ذلك NLRP3، والسلسلة الخفيفة للميوسين (MYL)، والبروتين السكري ألفا-2 الغني باللوسين-1 (LRG1)، والببتيد الدماغي المدر للصوديوم الناتريورتي المؤثر (NT-proBNP). بالإضافة إلى ذلك، تم تقييم مؤشرات وظائف الكبد ( GGT، AST، ALT، وTSB ) ومؤشرات وظائف الكلى (اليوريا، الكرياتينين، وحمض اليوريك). وقِيست مستويات المصل لـ NLRP3 وMYL وLRG1 وNT-proBNP  باستخدام أطقم المقايسة المناعية المرتبطة بالإنزيم (ELISA) على جهاز (Human Reader HS) . في حين طُبقت الطرق الطيفية (Spectrophotometric methods) لقياس مستويات GGT وAST وALT وTSB واليوريا والكرياتينين وحمض اليوريك.

أظهرت النتائج زيادة ذات دلالة إحصائية (p ≤ 0.05) في مستويات NLRP3 في المصل عبر جميع مجموعات أمراض القلب والأوعية الدموية مقارنة بمجموعة الأصحاء، مع ملاحظة أعلى التركيزات لدى مرضى فشل القلب. وارتفعت مستويات NT-proBNP بشكل ملحوظ في مجموعتي احتشاء عضلة القلب وفشل القلب، بينما تم اكتشاف مستويات منخفضة نسبياً في مجموعة تصلب الشرايين. وازدادت مستويات MYL في المصل تدريجياً مع تدهور شدة المرض؛ من تصلب الشرايين إلى احتشاء عضلة القلب ثم فشل القلب. ويعكس هذا النمط تضرر خلايا عضلة القلب، حيث يتم إطلاق MYL في مجرى الدم نتيجة لإصابة الخلايا العضلية القلبية (Cardiomyocytes)، مما يسلط الضوء على الإجهاد المستمر لعضلة القلب والتمزق الخلوي. وبناءً على ذلك، يمثل MYL مؤشراً قيماً لشدة إصابة القلب عبر المراحل المختلفة لأمراض القلب.

أظهر تقييم مؤشرات وظائف الكلى والكبد تغيرات ملحوظة لدى مرضى القلب والأوعية الدموية، لاسيما المصابين بفشل القلب، مما يؤكد تضرر الأعضاء المتعددة في المراحل المتقدمة من المرض. كما كشف تحليل الارتباط (Correlation analysis) عن وجود علاقات طردية معنوية بين NLRP3 وكل من NT-proBNP وMYL وLRG1، مما يؤكد التداخل والترابط الوثيق بين المؤشرات الحيوية الالتهابية والقلبية أثناء تقدم المرض.

أثبت تحليل منحنى خصائص التشغيل للمستقبل (ROC curve) أن NLRP3 وNT-proBNP وMYL و LRG1 تميز بفعالية تفريقية عالية بين المرضى المصابين بتصلب الشرايين، والاحتشاء، وفشل القلب عن الأصحاء. وبرز NLRP3 باعتباره المؤشر الأكثر موثوقية، مما يعكس الآليات الالتهابية الرئيسية في إصابات القلب والأوعية الدموية. ومن الناحية الميكانيكية، رصد NT-proBNP الإجهاد القلبي، وأشار MYL إلى الضرر المباشر لعضلة القلب، بينما عكس LRG1 الالتهاب الجهازي العام. وتوفر هذه المؤشرات الحيوية مجتمعة لوحة عمليّة وتكاملية للكشف المبكر وتقييم شدة المرض. كما يعكس الارتفاع المستمر في هذه المؤشرات عبر مراحل المرض الارتباط الوثيق بين الالتهاب وإجهاد عضلة القلب، مما يدعم فائدتها في الكشف المبكر والمراقبة المستمرة.

قد يستفيد الأفراد المعرضون لمخاطر عالية من الفحص المبكر للمؤشرات الحيوية، والإدارة السريرية القائمة على مراحل المرض، والنهج التشخيصي المتكامل. ومع ذلك، هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات الطولية (Longitudinal studies) لتأكيد قابليتها للتطبيق السريري. وفي الختام، يوفر التقييم المشترك لـ NLRP3 وNT-proBNP وMYL وLRG1 أداة عملية للكشف المبكر، وتصنيف المخاطر (Risk stratification )، ومراقبة تطور أمراض القلب والأوعية الدموية، مما يسلط الضوء على التداخل المعقد بين الالتهاب والإجهاد الخلوي القلبي.

Ihcoeduمؤلف

Avatar for ihcoedu

كلية التربية للعلوم الصرفة (ابن الهيثم) - College of Education for Pure Science (Ibn Al-Haitham)

Comments are disabled.